الحكيم ل " مصر الآن "قانون المحليات بين توسيع الرقابة وضبط المجال السياسي
قال الفقيه الدستوري الدكتور نزيه الحكيم في تصريح لـ " مصر الآن "إنه مع إحالة مشروع قانون الإدارة المحلية إلى اللجان المختصة داخل مجلس النواب المصري، يعود ملف المجالس المحلية إلى الواجهة من جديد، ليس فقط باعتباره استحقاقًا دستوريًا طال انتظاره، بل باعتباره خطوة سياسية تعيد رسم العلاقة بين المواطن والإدارة التنفيذية في المحافظات.
واضاف الحكين إن القانون المطروح لا يمكن قراءته بوصفه نصًا تنظيميًا فحسب، بل باعتباره محاولة لإعادة هندسة المجال المحلي سياسيًا وإداريًا في آن واحد.
رقابة أوسع… لكن بحدود محسوبة
من الواضح أن المشروع يمنح المجالس المحلية أدوات رقابية غير مسبوقة، تبدأ بطلبات الإحاطة ولا تنتهي عند الاستجواب وسحب الثقة من القيادات التنفيذية. وهي صلاحيات تعكس اتجاهًا نحو تعزيز المساءلة الشعبية، وإشراك المجالس المنتخبة في متابعة أداء الأجهزة التنفيذية.
لكن في المقابل، يحتفظ القانون بالقرار النهائي في يد السلطة المركزية عندما يتعلق الأمر بالمحافظ، وهو ما يكشف عن فلسفة واضحة تقوم على اللامركزية المنضبطة، لا اللامركزية المطلقة. فالدولة تسعى إلى توسيع الرقابة دون فتح الباب أمام تعدد مراكز القرار داخل المحافظات.
حظر بعض الفئات… تنظيم للحياد أم ضبط للمجال؟
حظر ترشح بعض الفئات الوظيفية قبل الاستقالة، مثل العاملين بالأجهزة الأمنية أو القيادات التنفيذية داخل نطاق عملهم، يبدو في ظاهره إجراءً لضمان حياد العملية الانتخابية ومنع تضارب المصالح.
وأشار إلى أن القراءة السياسية لهذا النص تكشف أنه يتجاوز مجرد التنظيم القانوني، ليصل إلى ضبط حدود التأثير داخل المجال المحلي، ومنع انتقال مراكز القوة الوظيفية إلى المجال الانتخابي، بما قد يعيد إنتاج نفوذ إداري داخل المجالس المنتخبة.
وبذلك يصبح الحظر أداة لتحقيق التوازن بين الحياد المؤسسي ومنع تغول النفوذ التنفيذي في الحياة المحلية.
نظام القوائم… استقرار إداري أم تقليص للتنوع؟
اعتماد نظام انتخابي يغلب عليه الطابع القائم على القوائم المغلقة يعكس رؤية سياسية ترى أن المجالس المحلية القادمة يجب أن تكون مستقرة وقادرة على العمل مع الأجهزة التنفيذية دون صراعات داخلية حادة.
وقال هذا الاتجاه قد يحقق قدرًا من الانضباط داخل المجالس، لكنه في الوقت نفسه قد يثير تساؤلات حول مدى تمثيلها للتنوع السياسي والاجتماعي الحقيقي، خاصة في ظل الطبيعة الخدمية للمجالس المحلية التي يفترض أن تكون الأقرب إلى المواطن.
ومن هنا، فإن النقاش حول النظام الانتخابي لن يكون قانونيًا فقط، بل سياسيًا بامتياز، لأنه يتعلق بشكل التمثيل المحلي وطبيعة النخب التي ستدير المشهد في المحافظات.
رسالة سياسية من نص سحب الثقة
إدراج آلية لسحب الثقة من القيادات التنفيذية، وعلى رأسها المحافظ، يحمل دلالة سياسية واضحة، مفادها أن الإدارة المحلية لم تعد مجرد امتداد للسلطة التنفيذية، بل أصبحت خاضعة لرقابة شعبية مؤسسية.
غير أن ربط القرار النهائي بالسلطة المركزية يؤكد أن المشرع يسعى إلى تحقيق توازن دقيق: مساءلة دون تفكيك، ورقابة دون ازدواج في السلطة.
نحو مجال محلي جديد
في مجمله، يكشف مشروع قانون الإدارة المحلية عن توجه سياسي يرمي إلى إعادة تنظيم المجال المحلي وفق معادلة ثلاثية:
توسيع المشاركة الشعبية،
وضبط التوازنات المؤسسية،
ومنح الدولة أدوات استقرار إداري.
وهي معادلة تعكس رغبة واضحة في تحديث الإدارة المحلية، ولكن دون القفز إلى نماذج لامركزية قد تخل بوحدة القرار التنفيذي.
يبقى السؤال المطروح اليوم داخل الأوساط السياسية والبرلمانية:
هل سينجح هذا القانون في خلق مجال محلي حيوي يخدم المواطن، أم أنه سيكتفي بإعادة ترتيب الهياكل دون تغيير جوهر العلاقة بين الإدارة والمجتمع؟
الإجابة لن تحسمها النصوص وحدها، بل ستحددها طريقة تطبيق القانون على أرض الواقع.





